المزي
115
تهذيب الكمال
ملابسهم بالاقتصاد ، وممشاهم بالتواضع ، ومنطقهم بالعمل ، ومطعمهم ومشربهم بالطيب من الرزق ، وخضوعهم بالطاعة لربهم تعالى ، واستقادتهم للحق فيما أحبوا وكرهوا ، وإعطاؤهم الحق من أنفسهم ، ظمئت هواجرهم ، ونحلت أجسامهم ، واستخفوا بسخط المخلوقين لرضى الخالق ، لم يفرطوا في غضب ، ولم يحيفوا في جور ، ولم يجاوزوا حكم الله في القرآن ، شغلوا الألسن بالذكر ، بذلوا لله دماءهم حين استنصرهم ، وبذلوا لله أموالهم حين استقرضهم ، لم يكن خوفهم من المخلوقين ، حسنت أخلاقهم ، وهانت مؤنتهم ، وكفاهم اليسير من الدنيا إلى آخرتهم . وقال محمد بن الحسين البرجلاني : حدثني نوح بن يحيى الزراد ، قال : حدثنا قثم العابد ، عن حمزة الأعمى ، قال : ذهبت بي أمي إلى الحسن ، فقالت : يا أبا سعيد ، ابني هذا قد أحببت أن يلزمك ، فلعل الله أن ينفعه بك ، قال : فكنت أختلف إليه ، فقال لي يوما : يا بني أدم الحزن على خير الآخرة ، لعله أن يوصلك إليه ، وابك في ساعات الخلوة لعل مولاك يطلع عليك فيرحم عبرتك ، فتكون من الفائزين ، قال : وكنت أدخل عليه منزله وهو يبكي ، وآتيه مع الناس وهو يبكي ، وربما جئت وهو يصلي ، فأسمع بكاءه ونحيبه ، قال : فقلت له يوما : يا أبا سعيد ، إنك لتكثر من البكاء . قال : فبكى ، ثم قال : يا بني ، فما يصنع المؤمن إذا لم يبك ، يا بني ، إن البكاء داع إلى الرحمة فإن استطعت أن لا تكون عمرك إلا باكيا فافعل ، لعله يراك على حالة فيرحمك بها ، فإذا أنت قد نجوت من النار .